مسائل من النحو والبيان

والمنطق والعروض والحكمة
 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .   أما بعد فهذه كلمات جمعتها بقصد التمرين للأطفال المتعلمين تذكرهم كثيرا من القواعد وتحثهم على تحصيل الفوائد تتعلق بقولك "جاء زيد" من إعراب وتصريف وغيرهما .   والله المسئول في النفع وجعلها خالصة لوجهه الكريم.   هذا أوان الشروع في المقصود .  "جاء زيد" إعراب هذا التركيب: جاء فعل ماض مبني على فتح ظاهر لا محل له من الإعراب.   وزيد فاعل مرفوع وعلامة رفعه  ضمة  ظاهرة في آخره  فإن نطق به موقوفا تقول: مرفوع بضمة مقدرة منع  من ظهورها اشتغال المحل بالسكون العارض لأجل الوقف .  فإن قيل ما حقيقة البناء فالجواب أنه قيل إنه لفظي .   وعرفوه بأنه ما جيء به لا لبيان مقتضى العامل من شبه الإعراب وليس حكاية ولا اتباعا ولا نقلا ولا تخلصا من سكونين.   وقيل إنه معنوي.   وعرفوه بأنه لزوم آخر الكلمة حالة واحدة.   والقولان يجريان في الإعراب.   فقيل إنه لفظي فيعرف بأنه ما جئ به لبيان مقتضى العامل من حركة أو سكون أو حذف.   وقيل إنه معنوي فيعرف بأنه تغيير أواخر الكلم لاختلاف العوامل الداخلة  عليها لفظا أو تقديرا،  فإن قيل لم بني "جاء" وكل فعل ماض؟  فالجواب أن الأصل في الأفعال البناء.   وما جاء على أصله لا يسأل عنه.   فإن قيل لم كان الأصل في الأفعال البناء؟ فالجواب أنه إنما كان الأصل فيها البناء لأنها تتوارد عليها معان لا تفتقر إلى الإعراب فلم تستحق الإعراب بل البناء كما أن الحروف كذلك بخلاف الأسماء، فإن الأصل فيها الإعراب لتوارد المعاني المختلفة كالفاعلية والمفعولية والإضافة كما في قولك: " ما أحسن زيدا" فإنه إن كان المراد التعجب يقال ما أحسن زيدا بفتح النون "أحسن" ونصب "زيد" وإعرابه: "ما تعجيبية نكرة مبتدأ مبني على السكون في محل الرفع.   وما معناها شيء عظيم يتعجب منه.   و "أحسن" فعل ماض.   وفاعله ضمير يعود على "ما" والجملة من الفعل والفاعل خبر المبتدأ  وَ"زيد" مفعول به.   وإن أريد به الاستفهام يقال: ما أحسن زيد بضم النون "أحسن" وجر زيد.   والمعنى أي أجزاء زيد أحسن ؟ وإعرابه: "ما" اسم استفهام مبتدأ مبني على السكون في محل رفع.   و "أحسن" خبر مرفوع بالضمة  الظاهرة.   وزيد مضاف إليه مجرور بالكسرة الظاهرة ، وإن أريد به النفي يقال ما أحسن زيد بفتح النون من "أحسن" ورفع "زيد" والمعنى لم يقع من زيد إحسان.   وإعرابه "ما" نافية و"أحسن" فعل ماض وزيد مرفوع بالضمة الظاهرة.   فهذه المعاني أعني الفاعلية والمفعولية والإضافة تواردت على "زيد" ولم تتميز (إلا) بالإعراب.   فلهذا كان الأصل في الأسماء الإعراب بخلاف الأفعال.   فإن قيل هل يرد على قولكم "الأصل في الأفعال البناء الفعل المضارع.   فإنه معرب.   فالجواب أنه إنما أعرب لأنه أشبه الأسماء في توارد المعاني المختلفة عليه فاستحق الإعراب.   وذلك نحو قولكم ": لا تأكل السمك وتشرب اللبن.   فإنه يحتمل النهى عن الاثنين اجتماعا وانفرادا والنهي عن المصاحبة والنهي عن الأول وإباحة الثاني .   وهذه المعاني لا تتميز إلا بالإعراب.   فإذا أردت النهي عنهما اجتماعا وانفرادا تقول: "لا تأكل السمك وتشرب اللبن بجزم الفعل الأول والثاني .   وإعرابه "لا" ناهية.   و"تأكل" فعل مضارع مجزوم بلا الناهية.   وعلامة جزمه سكون مقدر على آخره منع من ظهوره اشتغال المحل  بحركة التخلص من التقاء الساكنين .   والفاعل مستتر وجوبا تقديره أنت.   واللبن مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة.   وإن أريد النهي عن المصاحبة يقال: "لا تأكل السمك وتشرب اللبن بجزم الفعل الأول ونصب الثاني.   وإعرابه "لا" ناهية و"تأكل" فعل مضارع مجزوم إلى آخر ما مر.  .   وتشرب الواو واو المعية و"تشرب " فعل مضارع منصوب بأن مضمرة وجوبا بعد واو المعية الواقعة في جواب النهي.   والفاعل مستتر فيه.   و"اللبن" مفعول.   و "إن"و ما دخلت  عليه مصدر معطوف على مصدر متصيد من الكلام السابق.   ومنهم من جعله مفعولا معه.   والمعنى أنهاك عن أكل السمك وشرب اللبن أي أن تصحب بالسمك اللبن.   وإن أريد النهي عن الأول وإباحة الثاني.   يقال: "لا تأكل السمك وتشرب اللبن" بجزم الفعل الأول ورفع الثاني.   وإعرابه "لا تأكل مثل الذي تقدم وتشرب.  .   الواو للاستثناء .   "وتشرب" فعل مضارع مرفوع لتجرده من الناصب والجازم والفاعل مستتر.   واللبن" مفعول .   والمعنى أنهاك عن أكل السمك ولك شرب اللبن .   فهذه المعاني الثلاثة تواردت على "تشرب" ولم تتميز إلا بالإعراب.   فلهذا استحق الفعل المضارع الإعراب بخلاف الماضي والأمر.   فإن قيل يتوارد على الماضي معان مختلفة ومع ذلك لا يعربونه.   وذلك نحو قولك: ما صام زيد واعتكف".   فإنه يحتمل أن المعنى على نفي الأمرين عنه أي ما وقع منه صوم ولا اعتكاف أو على نفي الأول مصاحبا الثاني أي ما صام حال كونه معتكفا أو على نفي الأول وثبوت الثاني أي  ما صام وقد حصل منه الاعتكاف.   فالجواب أن هذا مثل نادر لا عبرة به أو أنا لا نسلم أن التمييز هنا يتوقف على الإعراب بل يتأتى أن تقول ما صام وما اعتكف" و "ما صام معتكفا" و "ما صام وقد اعتكف" وبعضهم أجاب بأن وضع الماضي باعتبار نطق العرب غير قابل للإعراب.   فلا يغير عما نطقوا به.   وهذا حكم يلتبس لتوجيه ما نطقت به العرب تثبيتا للقواعد.   فيكتفي فيها بأدنى مناسبة فلا تقوى على هذا التدفيق.   فإن قيل يرد على قولكم أن المضارع يستحق الإعراب بناؤه إذا اتصلت به نون التوكيد أو نون النسوة فإنه يبنى مع الأول على الفتح ومع الثانية على السكون مع أن موجب الإعراب موجود فيه.   فالجواب أنه إنما يبني مع النونين لأنهما من خواص الأفعال.   فبعد شبهه بالأسماء رجع إلى أصله وهو البناء.   فإن قيل : لِمَ يبنى مع نون التوكيد على حركة، وكانت الحركة فتحة.   ومع نون النسوة على السكون؟ فالجواب أنه إنما بني مع نون التوكيد على حركة مع أن الأصل أن يسكن لأنه لما كان مستحق الإعراب بنوه على حركة للإشارة إلى أن بناءه طارئ وأن له أصلا في الإعراب وكانت الحركة فتحة للخفة لأنه حصل له ثقل بسبب تركيبه مع نون التوكيد.   وإنما بني على السكون مع نون النسوة لأن الأصل في المبني أن يسكن.   وما جاء على أصله لا يسأل عنه.   وبعضهم قال إنه يستحق البناء على حركة لا على السكون لأن له أصلا في الإعراب.   فيحتاج بناؤه على السكون إلى حكمة فيقال حملا على الماضي إذا اتصل به الضمير نحو "النسوة ضربن".  

فإن قيل: لم بني "جاء"  على حركة مع أن الأصل في المبني أن يسكن؟ ولم كانت الحركة فتحة؟ فالجواب أنه إنما بني على حركة لأنه أشبه المضارع في وقوعه صفة وصلة وخبرا وحالا.   تقول: مررت برجل يضرب  وبرجل ضرب.   وجاء الذي يضرب والذي ضرب.   وزيد يضرب وزيد ضرب.   وجاء زيد يضحك وجاء زيد قد ضحك.   فلما أشبه المضارع في وقوعه فيما ذكر بني على حركة لأن المضارع معرب.   والأصل في الإعراب الحركة.   وإنما كانت الحركة فتحة للخفة لأن الفعل ثقيل فناسبه التخفيف.   والفتحة أخف الحركات.   فإن قيل لم كان الفعل ثقيلا؟  فالجواب أنه إنما ثقل بسبب تركب معناه لأنه موضوع للحدث والزمان.   فإن قيل ما وزن "جاء" ؟ فالجواب أن أصلها جاي لأنه من المجيء.   فالجيم فاء الكلمة والألف عينها والهمزة لامها.   فإن قيل ما أصل عين الكلمة أعني الألف؟ فالجواب أن أصلها ياء لأنه من المجيء.   فأصله جيء بفتح الجيم والياء.   تحركت الياء وانفتح ما قبلها فقلبت ألفا فصار "جاء". 

فإن قيل ماذا يسمى هذا الفعل عند الصرفيين؟ فالجواب أنه يسمى أجوفا وذا الثلاثة لأنه معتل العين.   وذلك لأن الصرفيين قسموا الفعل إلى سالم  وغير سالم.  و يعنون بالسالم ما سلمت حروفه الأصلية التي تقابل بالفاء والعين واللام من الهمزة والتضعيف ومن حروف العلة كضرب ونصر وعلم.   فإن كل واحد منهما يسمى سالما .   وغير السالم إما مهموز الفاء أو العين أو اللام نحو أمر وسأل وقرأ وإما مضاعف.   وهو ما كانت عينه ولامه من جنس واحد كردد وإما معتل.   وهو ما كان أحد أصوله حرف علة.   والمعتل من حيث هو سواء كان في الأسماء والأفعال سبعة أقسام: الأول معتل العين ويسمى مثالا لمماثلته الصحيح في احتمال الحركات.   وذلك نحو وعد.   فالواو مفتوحة في المبني للمعلوم.   فهي حرف علة محتملة للحركة كنصر ونصر بالبناء للفاعل والمفعول .   والثاني معتل العين ويسمى أجوف لخلو جوفه عن حروف الصحيح.   ويقال له ذو الثلاثة  لكون ماضيه على ثلاثة أحرف  مع الضمير إذا أخبرت به عن نفسك نحو قلت وبعت وجئت.   فالثلاثي المجرد من هذا القسم تقلب عينه في الماضي المبني للفاعل ألفا سواء كان واويا أو يائيا لتحركها وانفتاح ما قبلها نحو صان وجاء وباع.   والأصل صون بفتح الواو وجيأ بفتح الياء وكذا بيع فقلبت الواو والياء لتحركهما وانفتاح ما قبلهما.   وذلك لأن كلا منهما كحركتين لأن الحركات أبعاض هذه الحروف.   ولما كانتا متحركتين وكان ما قبلهما مفتوحا كان ذلك بمنزلة أربع حركات متوالية.   وذلك ثقيل عندهم.   فقلبوها بأخف الحروف وهو الألف .   وهذا قياس مطرد.   والعلة رفع الثقل.   وعلمنا به بالاستقراء .   فإن اتصل بالماضي المجرد المبني للفاعل ضمير المتكلم أو المخاطب أو ضمير جمع المؤنث نقل فعل مفتوح العين الواوي كصان وقال إلى فعل مضموم العين .   ونقل فعل مفتوح العين اليائي كباع وجاء إلى فعل مكسور العين دلالة عليهما لأنهما يحذفان  تقول:صنت وقلت وبعت.  فالأصل صونت وقولت بفتح الواو ونقل إلى باب فعل بالضم ثم نقلت الضمة إلى ماقبلها بعد حذف حركتها ثم حذفت الواو لالتقاء الساكنين .  وأصل بعت وجئت بيعت وجيئت بفتح الياء فيهما ، نقل إلى باب فعل بالكسر  ثم الكسرة إلى ما قبلها بعد حذف حركتهما ثم حذفت الياء لالتقاء الساكنين.   ولم يغير يفعل مضمون العين ولا فعل مكسورها إذا كانا أصلين نحو طول بضم الواو وهيب بكسر الياء وخوف بكسر الواو.   والثالث المعتل اللام ويسمى الناقص لنقصان حرف منه حالة الجزم أو لنقص الحركة حالة الرفع.   ويسمى ذا الأربعة لكون ماضيه على أربعة أحرف مع الضمير إذا أخبرت به عن نفسك.   وذلك نحو غزى ورمى.   والأصل غزي ورمي تحركت الواو والياء.   تقول مع الضمير غزوت ورميت فترد كلا لأصله.   والرابع المعتل العين واللام ويسمى لفيفا مقرونا ؛ سمي لفيفا لأن حرفي العلة اجتمعا فيه ومقرونا لاقترانهما نحو شوى بفتح الواو وقلب يائه وهي لام الكلمة ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها وقوي بكسر الواو وروي بكسر الواو من الروي وبفتحها من الرواية.   والخامس المعتل الفاء واللام ويسمى لفيفا مفروقا لافتراق حرفي العلة فيه نحو وقى على وزن رمى .   والسادس المعتدل الفاء والعين.   وهذا لم يوجد في الأفعال.   وإنما وجد في الأسماء كبين ويوم وبل.   والسابع المعتل الفاء والعين واللام .   وهذا أيضا لم يوجد في الأفعال بل في الأسماء وذلك نحو واو وياء لا سمي الحرفين.   (فإن قيل) هذا الفعل أعنى "جاء" من أي الأبواب عند الصرفيين؟ (قلت) إنه من الباب الثاني أعنى فعل بالفتح يفعل بالكسر كضرب يضرب  .   وذلك لأن الصرفيين حصروا الفعل الثلاثي  في ستة أبواب.   الباب الأول فعل  يفعل بفتح العين وضمها في المضارع كنصر ينصر .  والباب الثاني فعل يفعل بفتح العين في  الماضي وكسرها في المضارع كضرب يضرب والباب الثالث فعل يفعل بفتح العين  في الماضي والمضارع كسأل يسأل .   والباب الرابع فعل يفعل بكسر العين في الماضي وفتحها في المضارع كفرح يفرح وعلم يعلم .   والباب الخامس فعل يفعل بضم العين في الماضي والمضارع كحسن

يحسن.   والباب السادس فعل يفعل بكسر العين في الماضي والمضارع كحسب يحسب ووثق يثق حيث كان جاء من الباب الثاني يرد عليه ما ذكره الصرفيون من أن صيغة فعل بفتح العين في الماضي إذا كان عين الفعل التي هي صيغته أو لامه من حروف الحلق يكون من الباب الثالث كسأل يسأل ومنع يمنع وجاء لامه حرف حلق فلم يكن كذالك لأن الذي ذكره الصر فيون هو اشتراط كون  الباب الثالث عينه أو لامه حرف حلق لأنهم اشترطوا أن كل ما كانت عينه (حرف حلق) يكون من الباب الثالث.   بل تارة يكون منه كسأل ومنع وتارة يكون من الباب الأول كدخل يدخل وتارة يكون من الباب الثاني كنحت ينحت وجاء يجيء .  والحاصل أنه متى وجد الباب الثالث وجد حرف الحلق.   ولا يلزم من وجود حرف الحلق . وجود الباب الثالث. فيلزم من وجود المشروط وجود الشرط و لا يلزم من وجود الشرط وجود المشروط  .   وحروف الحلق هي الهمزة والهاء والحاء والخاء والعين والغين.   وقد وجد الباب الثالث من غير أن تكون العين واللام حرف حلق.   وذلك نحو أبى يأبى.   فالجواب أن ذلك شاذ مخالف للقياس سماعي يحفظ ولا يقاس عليه.   فإن قيل كيف يكون شاذا وهو في أفصح الكلام.   قال الله تعالى: " ويأبى الله إلا أن يتم نوره.  .  (التوبة، الآية 32) ؟ فالجواب أن كونه شاذا لا ينافي وقوعه في كلام الله تعالى ، فإن الشاذ لا يكون مردودا إلا إذا خالف القياس الاستعمالي كعودة الضمير على متأخر لفظا ورتبة.   وأما إذا خالف القياس دون الإستعمال  كماهنا فإنه مقبول . 

فإن قيل من أي شيء مشتق "جاء" ؟  فالجواب أنه مشتق من المصدر على الصحيح عند البصريين.   وهو المجيء .   فإن قيل ما حقيقة الاشتقاق؟ فالجواب أنهم عرفوه بقولهم أن تجد لفظين تناسبا في اللفظ والمعنى .   فإن قيل فما يسمى اشتقاق "جاء" من "المجيء"؟ فالجواب أنه يسمى اشتقاقا صغيرا لأن بين المجيء وجاء تناسبا في الحروف والترتيب.   وذلك لأنهم قسموا الإشتقاق ثلاثة أنواع: صغير وهو أن يكون بينهما تناسب في الحروف والترتيب نحو ضرب من الضرب وكبير وهو أن يكون بينهما تناسب في اللفظ دون الترتيب.   وذلك نحو جذب من الجذب وأكبر.   وهو أن يكون بينهما تناسب في المخرج نحو نعق من النهيق. 

فإن قيل هذا الفعل أعني "جاء" لازم أو متعدٍ وما الفرق بينهما؟ فالجواب أنه فعل متعد .   والفرق بين اللازم والمتعدي أن اللازم لا ينصب المفعول به بنفسه نحو مرت بزيد بخلاف المتعدي نحو ضرب زيد عمرا، وعلامة الفعل المتعدي أن تتصل به هاء غير المصدر نحو ضربته بخلاف اللازم فإنه لا تتصل به هاء غير المصدر نحو مررت بزيد. .   فلا تتعدي إلا بواسطة حرف جر.   ولا يصل إلى هاء غير المصدر إلا بحرف الجر أيضا نحو زيد مررت به.   والتقييد بهاء غير المصدر للاحتراز عن هاء المصدر.   فإنها تتصل باللازم والمتعدي نحو المرور مررته والضرب ضربته.   فإن قيل ما الدليل على أن "جاء" متعد؟ فالجواب أن الدليل على ذلك نصبه لمفعول به.   قال الله تعالى: "إذا جاءك المنافقون (المنافقون، الآية 1) فالكاف مفعول مبني على الفتح في محل النصب والمنافقون فاعل مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم. 

 فإن قيل ما حقيقة الفعل الماضي؟ فالجواب أنه كلمة دلت على معنى في نفسها.   وهو الحدث واقتران ذلك الحدث بالزمن الماضي يدل على الحدث والزمن مطابقة وعلى أحدهما تضمنا وعلى الفاعل التزاما.   فإن قيل فما علامته؟ وما حكمه؟ فالجواب أن علامته قبول تاء التأنيث الساكنة وقبول تاء الفاعل نحو جاءت وجئت .   وحكمه البناء على الفتح لفظا كما مر تقديرا.   وذلك إذا اتصل به ضمير رفع متحرك فإنه يسكن كراهة توالي أربع متحركات فيما هو كالكلمة  الواحدة لأن الفعل والفاعل كشيء واحد . وذالك نحو ضربت فيكون مقدرا. فإن قيل إن " جاء"  إذا أسند للضمير لايظهر فيه توالي أربع متحركات بل ثلاثة ، فالجواب أنه فيه أربع متحركات باعتبار الياء المحذوفة لالتقاء الساكنين لأن المحذوفة لعلة كالثابت لأن أصله جيئت بفتح الجيم والياء .   حول إلى باب فعل بالكسر كما مر توصلا إلى نقل حركة الياء وحذفها .   ثم نقلت حركة الياء إلى الجيم بعد سلب حركتها ثم حذفت الياء لالتقاء الساكنين.   فباعتبار الياء المحذوفة يقال إنه لو لم يسكن آخره لاجتمع فيه أربع متحركات.   فإن قيل فما الفرق بين الفعل الماضي واسم الفعل الماضي مع أن كلا يستفاد منه حدث في الزمان الماضي  نحو بعد وهيهات؟ فالجواب أن اسم الفعل موضوع ليدل على لفظ الفعل  ولفظ الفعل يدل على الحدث.  فدلالة اسم الفعل على الحدث بالواسطة  بخلاف الفعل .   فإنه موضوع ليدل على الحدث والزمان بنفسه بلا واسطة شيء آخر .   وأيضا اسم الفعل لا يقبل علامات الفعل وإلا كان فعلا.  فإن قيل ما هذا المد الموجود في قولك جاء"؟ فالجواب أنه متصل .   وذلك لأن القراء قسموا المد إلى طبيعي وغير طبيعي.   فالطبيعي ما كان بقدر ألف وذلك قدر حركتين.   وذلك في الألف والواو والياء التي ليس بعدها همزة ولا ساكن نحو "الفتى" و "يدعو" القاضي" وغير الطبيعي قسموه إلى لازم وواجب وجائز فاللازم هوا لذي يجيء  في كلمته أو في كلمتيه بعد حرف المد حرف ساكن وصلا ووقفا . فيمد بقدر ألفين زيادة على المد الطبيعي فيكون بقدر ست حركات.   وذلك نحو "دابة" و"ن" و "الاَن" وسمي لازما للرومة عند جميع القراء .   والواجب هو الذي يجيء في كلمته بعد حرف المد همزة.   ويكونان من كلمته.   ويسمى متصلا نحو جاء وبالسوء وسئ.   فإن كانا من كلمتين سمي منفصلا نحو "موسى أمر" و "القاضي أمر".   وقولوا آمنا".   وحكم المتصل أن يمد وجوبا زيادة على المد الطبيعي.   واختلفوا في قدر ذلك.   فقال أبو عمرو وقالون وابن كثير: مقدار ألف ونصف.   وقيل ألف وربع.   والمراد أن ذلك قدره باعتبار المد الطبيعي وما زيد عليه.   وعند ابن عامر والكسائي مقدار ألفين.   وعند عاصم مقدار ألفين ونصف.   وعند حمزة وورش مقدار ثلاث ألفات.   وهذه طريقة التيسير.   وطريقة الشاطبية ليس فيها الأمر.   ثبت أن "الاَن"  يمد بقدر أربع حركات وست حركات.   فالأربع بمقدار ألفين وليست بقدر ثلاث ألفات.  والمنفصل يجري فيه جميع ذلك إلا أن الزيادة فيه على الطبيعي جائزة لا واجبة.   وبقي قسم آخر وهو الوقف العارض نحو نستعين.   فيجوز مده إلى ست حركات.   فإن قيل ما مد زيد؟ فالجواب أن بعض القراء أجاز أن يعامل حرف اللين معاملة حرف المد.   فإذا وقع بعده ساكن لوقف نحو "وآمنهم من خوف".   وجاء زيد يجوز المد والقصر والتوسط.    وكذا إذا وقع بعده ساكن الادغام نحو كيف فعل.   وحرف اللين هو الواو والياء إذا سكنا وانفتح ما قبلهما بحركة مجانسة لهما.  فإن قيل ما معنى الفاعل؟ فالجواب أن الفاعل في اللغة من أوجد الفعل.   وفي اصطلاح النحويين هو الإسم المرفوع الذي أسند لفظ الفعل إليه باعتبار صدور حدث ذلك الفعل من مدلوله كضرب زيد أو باعتبار قيامه به كمات زيد.   فإن قيل ما سبب كون الفاعل مرفوعا؟ فالجواب أن الفاعل صدر الفعل من مدلوله وهو أشرف ممن وقع عليه الفعل.   والرفع أشرف من غيره.   فأعطى الأشرف للأشرف طالبا للمناسبة؟ فإن قيل هل الفاعل أصل المرفوعات أو المبتدأ؟ فالجواب أن في ذلك خلافا.   فمنهم من قال إن الفاعل أصل لأن عامله لفظي.   وهو أقوى من غيره.   والمبتدأ عامله معنوي.   ومنهم من قال إن المبتدأ أصل لأنه متقدم ويهتم به.   فإن قيل ما فائدة الخلاف ؟ فالجواب أن فائدته ترجيح أحد الأمرين عند تعارض إعرابين في كلمة بأن احتملت كونها فاعلا ومبتدأ وخلت عن المرجحات.   فإن قلنا الفاعل أصل فجعلها فاعلا أرجح.   وإن قلنا المبتدأ أصل فجعلها مبتدأ أرجح.  و قد قيل بمثل ذلك في قوله تعالى : "ليقولن الله" ( الزخرف ، الآية 87 ) التقدير: "خلقنا الله" فإن قيل ما حقيقة الرفع؟ فالجواب أنه على القول بأن الإعراب لفظي هو الضمة وما ناب عنها.   فإن قيل قولكم "علامة رفعه الضمة" هل هذا على القول بأن الإعراب لفظي أو معنوي؟ فالجواب أن الظاهر أنه على القول بأنه معنوي.   ولو أريد الجري على القول بأنه لفظي لقيل ورفعه كذا.   فإن قيل هل يصح تخريجه على القول بأنه لفظي؟ فالجواب أن بعضهم أجاز ذلك قال "ووجهه أن الضمة إعراب من حيث كونها أثرا جلبه العامل.   وعلامة إعرابه من حيث خصوصه.  فإن قيل زيد هذا الفاعل.   هل هو نكرة أو معرفة؟ وما الفرق؟ فالجواب أنه معرفة.   والفرق بينهما أن المعرفة ما وضع لشيء بعينه لا يتناول غيره.   والنكرة ما وضعت لشيء شائع يصح صدقه على أفراد.   وعلامة النكرة قبول "أل" ووقوعها موقع ما يقابله.   فالأول نحو رجل.   والثاني نحو ذي بمعنى صاحب.   والمعرفة بخلاف ذلك.   ومعلوم أن زيدا موضوع للذات المعنية.  

ولا يقبل "أل" فصح كونه معرفة.   فإن قيل زيد من أي أنواع المعارف؟ فالجواب أن علم الشخص ما وضع لمشخص ذهنا وخارجا كزيد وعلم الجنس ما وضع للحقيقة والماهية المستحضرة في الذهن بقيد استحضار.   وإن كان يصدق على كل فرد من أفراده.   وذلك كأسامة فإنه موضوع لحقيقة الحيوان المفترس بقيد استحضاره.   ويطلق على كل فرد من أفراده.   فإن قيل فما الفرق بين هذين أعني علم الجنس وعلم الشخص وبين اسم الجنس كأسد؟  فالجواب أن الفرق بينهما اعتباري يتحققان في نحو رجل وأسد.   فمن حيث وضعهما للحقيقة والماهية يسميان اسمي جنس ومن حيث صدقهما على الفرد يسميان نكرتين.   وتحقيق الكلام على "جاء زيد" من حيث الوضع سيأتي في آخر المبحث إن شاء الله تعالى. 

فإن قيل زيد هل هو من قبيل الأعلام المنقولة أو المرتجلة؟ وما الفرق بينهما؟ فالجواب أنه علم منقول من المصدرية لأنه مصدر زاد يزيد.   والفرق بين المنقول والمرتجل أن المنقول ما سبق فيه استعمال قبل العلمية في غير العلمية كفضل وأسد.   والمرتجل ما لم يسبق له استعمال قبل العلمية في غيرها كسعاد وأدد.  فإن قيل هل يجوز دخول "أل" على زيد؟ فالجواب أنه لايجوزلأن الأعلام لايدخل عليها "أل" فإن قيل إن بعض الأعلام قددخلها "أل" كالفضل والحارث.   فهلا كان زيد من هذا القبيل؟  فالجواب أن "أل" في الفضل والحارث زائدة للمح الأصل أي للإشارة إلى ملاحظة الأصل المنقول عنه.   وهو مع ذلك سماعي يقتصر فيه على ما سمع من العرب.   فلا يجوز ذلك في زيد.   فإن قيل مجموع "جاء زيد" ماذا يسميه النحويون؟ فالجواب أنه يسمى جملة.   فإن قيل ما حقيقة الجملة؟ فالجواب أن الجملة ما تركبت من فعل ومرفوعه أو من مبتدإ وخبره.  والأولى تسمى فعلية والثانية تسمى اسمية.   وأما الظرف والجار المجرور فيحتمل تقدير متعلقهما اسما وفعلا.   فلذلك يسميان شبه جملة.   وضابط الاسمية ما صدرت باسم والفعلية ما صدرت بفعل. 

فإن قيل ما يحتاج إليه كل مركب؟ فالجواب أن كل مركب يحتاج إلى علل أربع مادية وهي أجزاؤه وعلة الفاعلية وهي الفاعل المركب وعلة صورية وهي الحاصلة بعد التركيب وعلة غائية وهي ثمرته ونتيجته المترتبة عليه كالجلوس على السرير مثلا وكأفادة الكلام. 

فإن قيل هل الجملة أعني "جاء زيد" صغرى أو كبرى؟ وما الفرق بينهما؟ فالجواب أنها لا صغرى ولا كبرى.   وذلك لأن النحويين جعلوا الصغرى ما وقعت خبرا عن غيرها كقام أبوه من قولك زيد قام أبوه.   والكبرى ما كان خبرها جملة كزيد قام أبوه بتمامها.   والتي لا صغرى ولا كبرى ما خلت عن الأمرين كجاء زيد وزيد قائم.   وقد تكون الجملة صغرى وكبرى باعتبارين.   وقد اجتمعت الأقسام كلها في قول ابن مالك "وكلمة بها كلام قد يؤم".  الجميع جملة كبرى فقط لأن المبتدأ فيها خبر جملة.  وجملة قوله "قد يؤم" صغرى فقط لأنها وقعت خبرا عن غيرها . وجملة قوله "كلام قديؤم "كبرى باعتبار أن المبتدأ فيها خبره جملة، وصغرى باعتبار وقوعها خبرا عن غيرها.   فإن قيل هل جملة "جاء زيد" لها محل من الإعراب؟ فالجواب أنها لا محل لها من الإعراب لأنها جملة ابتدائية أي مستأنفة من المفرد.   والفرق بين ما لا محل له وما له محل هو أن ما حل محل المفرد له محل من الإعراب .   ومالم يحل محل المفرد لامحل له.  وجاء زيد من هذا القبيل.   وذلك لأن النحويين جعلوا ما يحل محل المفرد سبعة أقسام ومالا يحل سبعة.   فإذا نظرت إلى "جاء زيد" تجده من السبعة التي لا تحل محل المفرد.   وقد نظم بعضهم تلك المواضع الأربعة عشر في قوله:

جـــــمــل أتــــــت ولــــــهــا مـــحــل يعــرب    

ســـــبـــع لأن حـــــلــــت مــــحــــل الـــمفـرد

خـــــبــــريــــة حـــــالــــيـــــة مــــحـــكـــية

وكــــذا الـــــمــــضـــاف لـهــــا بــغـــيـر تردد

وجــــــواب شــــــرط جـــــازم بـــــالـــفاء أو

بــــــإذا وبــــعــــض قــــــال غــــيــــر مــقـيد

ومــــــعــــلــــــق عــنهـــا وتــابـعــــــة لمـــا      

هــــو مـــــعــــرب وذو مــــحـــل فـــاعـــــدد

وأتــــتـــك ســبع مــــا لــــهــا مـــن موضــع     

صــــــــلــة وعـــارضـــة وجملــة مبتـــــــدي

وجـــــواب أقـــــســام ومــــا قـــد فــــســـرت    

فـــي أشـــهـــــر والــخــــلــف غـــير مبعـــــد

وبـــــقــيـد تـــخــــصــيـــص وبــعــد معلــــق   

لا جــــــــــــازم وجـــــــــــــواب ذلـــــك أورد

وكــــذاك تــــــابــــــعــــة لـــــشـــيء مــا لـه   

مــــــن موضـــع فاحفظـــــــه غـــير مفـــنــد

وينبغي التمثيل لذلك تتميما للفائدة.   فأمثلة الجمل التي لامحل لها من الإعراب الخبرية نحو زيد أبوه قائم والحالية نحو جاء زيد والشمس طالعة.   والمحكية بالقول نحو: "قال إني عبد الله آتاني الكتاب"(مريم، الآية 3.  ) والمضاف إليها نحو:" إذا جاء نصر الله (النصر، الآية 1) والواقعة جوابا لشرط جازم مقرون بالفاء نحو: "وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم (البقرة، الآية 215)" وبإذا نحو: " وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون" (الروم، الاية 36) والمعلق عنها نحو علمت لزيد قائم والتابعة للمعرب نحو: "واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله (البقرة، الاية 281)" وتابعة لجملة لها محل من الإعراب نحو: " زيد قام أبوه وقعد آخوه" فجملة "قعد آخوه" محلها الرفع إذا كانت معطوفة على الكبرى.   وأمثلة الجمل التي لا محل لها من الإعراب الصلة نحو: "الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب (الكهف، الاية 1) والمعترضة نحو: "فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار (البقرة، الاية 24)".   فجملة ولن تفعلوا معترضة بين الشرط والجزاء.   والجملة الابتدائية نحو "إنا أنزلناه" والمفسرة نحو قوله تعالى: "كمثل آدم خلقه من تراب"(آل عمران، الآية 59) فجملة خلقه من تراب "تفسير لمثل.   والمشهور أنه لا فرق بين أن تفسر ماله حظ من الإعراب أو ما لا حظ له نحو زيد ضربته.   وقيل إن فسرت ما له محل فلا محل (لها).  وإلا فهي تابعة لما تفسره.   وإلى هذا أشار بقوله "في أشهر" إلى آخره.   وأما المفسرة لضمير الشأن فلها محل نحو إنه زيد قائم.   فالجملة في محل رفع خبر أن ومفسرة لضمير الشأن والواقعة جوابا لمعلق أي لشرط غير جازم نحو: "إذا جاء زيد فأكرمه.   ونحو: "إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون (الروم،الاية 25)".   ومثلهما ما وقعت جوابا لشرط جازم ولم تقترن بالفاء نحو إن جاء زيد أكرمته.   فإن لفظ الفعل محكوم عليه بأنه في محل جزم جواب الشرط.   والجملة لا محل لها.   وجملة قعد عمر معطوفة على جملة قام زيد.   وجملة قام زيد ابتدائية لا محل لها، فكذلك ما عطف عليها. 

فإن قيل هل جملة "جاء زيد" إنشائية أم خبرية؟  وما الفرق بينهما؟ فالجواب أنها خبرية لأن خبرية هي منسوبة للخبر.   وهو الكلام المحتمل للصدق والكذب.   وعرفوه بأنه ما حصل مدلوله خارجا وكان لفظه حكاية عنه كجاء زيد وزيد قائم.   والإنشاء ما حصل مدلوله به كاضرب زيدا.  فإن قيل هل الاستناد في "جاء زيد" حقيقي أو مجازي.   وما الفرق بينهما؟ فالجواب أنه استناد حقيقي.   والفرق بينه وبين الاستناد المجازي أن الاستناد الحقيقي إسناد الشيء إلى من هو له كأنبت الله البقل ويسمى حقيقة عقلية.  والاسناد المجازي إسناد الشيء إلى غير ما هو له لملابسة بينهما كأنبت الربيع البقل.   ويسمى مجازا عقليا.   فإسناد الإنبات إلى الربيع هنا مجاز عقلي لأنه السبب العادي.   فإن قيل استعمال كل من "جاء" و "زيد" هنا هل هو حقيقة أو مجاز؟ وما الفرق بينهما؟ فالجواب أن كلا منهما حقيقة.   والفرق بينهما وبين مجازأن الحقيقة استعمال كلمة فيما وضعت له كاستعمال الصلاة في الدعاء عند اللغويين وكاستعمال الأسد في حيوان المفترس.   والمجاز استعمال الكلمة في غير ما وضعت لها مع قرينة مانعة عن إرادة المعنى الأصلي كاستعمال الصلاة في الأقوال والأفعال بالنظر إلى اللغويين والأسد في الرجل الشجاع .   فإن العلاقة فيه الجزئية.   وإن كانت لغير ذلك يسمى استعارة كما في المثال الثاني.   ولا شك أن "جاء زيد" لفظان مستعملان في حقيقتهما.  فإن قيل جملة "جاء زيد" من أي القضايا؟ وما معنى القضية؟ فالجواب أنها قضية شخصية.   وذلك لأن القضية هي الخبر.   وهولفظ محتمل للصدق والكذب لذاته.   وقد قسم المناطقة القضية إلى قضية شخصية وكلية وجزئية ومهملة وطبيعية.   فالشخصية هي ما كان الموضوع فيها مسورا بالسور الكلي كقولك: "كل إنسان حيوان" والجزئية هي ما كان الموضوع مسورا بالسور الجزئي نحو "بعض الحيوان إنسان" والمهملة ماكان الموضوع فيها كليا وخلت عن السور الكلي والجزئى نحو "الإنسان حيوان" والطبيعية ما كان الموضوع فيها هو الحقيقة

الطبيعية نحو الرجل خير من المرأة.   والموضوع هو المحكوم عليه ويسمى مسندا إليه عند علماء المعاني ومبتدأ وفاعلا أو نائبا عند النحاة.   والمحمول هو المحكوم به ويسمى مسندا عند علماء البيان وخبرا أو فعلا عند النحاة. 

فإن قيل وضع زيد للذات الشخصية من أي الأوضاع؟ فالجواب أنه من قبيل الوضع الخاص لموضوع له خاص.   وذلك لأن علماء الوضع قسموا الوضع إلى أربعة أقسام: وضع خاص لموضوع له خاص وآلة الوضع جزئية وذلك فيما إذا كان الوضع لمشخص  معين باعتبار متعلقه وإدراكه بخصوصه كما في الأعلام الشخصية كزيد وعمر ووضع خاص لموضوع له خاص وآلة الوضع كلية.  وذلك فيما إذا كان الوضع لمشخصات باعتبار تعلقها لا لخصوصها بل لأمر عام .   وذلك كأسماء الإشارة والموصولات ووضع عام لموضوع له عام وآلة الوضع الكلية.  وذلك فيما إذا كان الوضع لأمر كلي باعتبار تعلقه بملاحظة عمومه كما في الحيوان.   والقسم الرابع حكموا باستحالته وهو ما كان الوضع فيه خاصا والموضوع له عاما.   وصورته  أن يكون الوضع الكلي باعتبار تعلقه بخصوص بعض أفراده.   فهذا القسم مستحيل الوجود كما هو مبين في محله.  فإن قيل قد علم وضع "زيد" فينبغي  أن يعلم وضع "جاء" من أي الأوضاع.   ووضع مجموعهما من أي الأوضاع أيضا؟ فالجواب أن ذلك من قبيل الوضع النوعي وماتقدم من الأقسام الأربعة  من قبيل الوضع  الشخصي.   وذلك لأن الوضع النوعي هو ما لا يتعين فيه اللفظ الموضوع بأن الوضع مندرجا تحت ضابط كلي كقول الواضع: وضعت كل لفظ على هيئة كذا ليدل على كذا.   وقسموا النوعين باعتبار تشخص المعنى وعموم الوضع وخصوصه إلى ثلاثة أقسام: أحدهما ما تعقل الواضع فيه المعنى الموضوع له أصلا بأن لاحظ صيغته التي هي فعل مثلا وقال وضعت كلما صح تركبه من فعَل محرك الوسط للدلالة على الصيغة الثلاثية الماضوية فيكون كل مركب من تلك الحروف المذكورة علما على هذه الصيغة.   فهو وضع نوعي خاص لموضوع له خاص.   ثانيها ما تعقل الواضع فيه الموضوع له عاما كالمركب الخبري كقول الواضع: وضعت كل مركب خبري  للدلالة على ثبوت شيء لشيء.   وبهذا يعلم أن مجموع "جاء زيد" من هذا القبيل لأنه مركب خبري.   وقيل المركبات ليست موضوعة بل دلالتها عقلية.   وثالثها ما تعقل الواضع فيه الموضوع له بأمر عام مع كونه خاصا كوضع المشتقات باعتبار هيئتها كقوله وضعت كل فعل بهيئته للدلالة على جزء من جزئيات الحدث والزمان بعد ملاحظة الأمر العام.   وهو مطلق الحدث والزمان ليوضع كل جزئي منهما فهو وضع نوعي عام لموضوع له خاص.   قال بعض المحققين: وضع المشتقات باعتبار مادتها من قبيل الوضع العام

لموضوع له عام.   وقيل وضع المادة كلي نوعي.   ووضع الهيئة نوعي أي وضع هيئة المشتق للدلالة على أفراده كهيئة فعل للدلالة على الزمان الماضي فيدخل تحته أفراد نحو كتب وذهب.   وتمام الكلام على ذلك مبسوط في محله. 

فإن قيل ما يسمى العروضيون "جاء زيد"؟ فالجواب أنهم يسمون "جاء" وتدا مفروقا لأنه ثلاثة أحرف أوسطها ساكن.   ويسمون "زيد" مركبا من سببين خفيفين.   وذلك لأنهم قالوا المتحرك قبل الساكن سبب خفيف كقد وقم.   والحرفان المتحركان بأي حركة كانت سبب ثقيل نحو بك وله وبه.   والحرفان المتحركان اللذان ثالثهما ساكن.   وتد مجموع  نحوبهم وبكم ورمي وهدي.  والحرفان المتحركان اللذان بينهما ساكن وتد مفروق نحو قام وجاء ولات.   والثالثةالأحرف التي بعدها ساكن فاصلة صغرى كفعلن ورجعن بتحريك الجميع ما عدا الحرف الأخير.   وقاعدة العروضيين أن يحسبوا التنوين بحرف ويكتبوه نونا.   والأربع الأحرف التي بعدها ساكن فاصلة كبرى نحو فعلتن وسلككم.   وقد مثل بعضهم للأقسام الستة بقوله: "لم أر على ظهر جبل سمكتن".   وبعضهم لم أر على قبح عمل حسنتن" وبعضهم بقوله "من يف بما قال رفعت درجتن". 

فإن قيل هذا المركب أعني "جاء زيد" من أي مقولات باعتبار كونه مركبا وباعتبار مفرداته؟ فالجواب أن المركب خبر وقضية.   وهي من مقولات الإضافة إن فسرت القضية بالنسبة.   وإن فسرت باللفظ كانت من مقولات الكيف لأن اللفظ كيفية قائمة بالهواء.   وأما المفردات فكل من "جاء" و "زيد" من مقولة الكيف أيضا باعتبار كونهما لفظين .   وأما باعتبار المدلول فيقال إن " زيد" من مقولة الجوهر.   وأما "جاء" فباعتبار الحدث المفهوم منه من حيث حدث من مقولة الكيف لأن الحدث عرض قائم بالغير جزؤه الأخير هو.   وباعتبار الزمان من حيث يجري فيه الخلاف الجاري في كون الزمان (من) أي المقولات؟ فقيل من مقولات الجوهر بناءا على أنه نفس الفلك.   وقيل من مقولات الأين بناء على أن الحركة معدل النهار.   وقيل من مقولات الكم بناءا على أنه مقارنة متجدد موهوم لمتجدد معلوم كمقارنة مجيء زيد لطلوع الشمس وإن اعتبرت الحدث باعتبار حصوله في الزمان يكون من مقولة الأين.   وباعتبار الهيئة الحاصلة لزيد من حيث نسبة أجزائه بعضها إلى بعض بالقرب والبعد وباعتبار نسبتها إلى أمر آخر كالمجيء من مقولة الوضع وباعتبار كون زيد مؤثرا فهي من مقولة الانفعال.   فالحاصل أن الحكماء جعلوا المقولات عشرة أقسام جمعها بعضهم في قوله:

زيـــــــــد الــــطـــــويــل الأزرق ابـــن مــالك    

فــــــي بـــيـــتـــه بـــالأمــــــس كـــان متكــئ

بـــــــيــــده غـــــصـــن لـــــواه فــــــالـــتوى    

فـــــهــــذه عـــشــــر مـــــــقــــولات ســـــوا

فزيد إشارة إلى مقولة الجوهر والطويل إشارة مقولة الكم والأزرق إشارة إلى مقولة الكيف وابن مالك إشارة إلى مقولة الإضافة وفي بيته إشارة إلى مقولة الأين وبالأمس إشارة إلى متى و "كان متكئ" إشارة إلى الفعل "فالتوى" إشارة إلى الانفعال.   وتمام الكلام على ذلك مبسوط في محله. 

وفي هذا القدر كفاية.   فإن القصد الإشارة إلى أطراف المباحث لأجل تذكير الطالب وحثه على التفتيش.   وإلا فهذه المباحث المشار إليها تحتاج إلى بسط طويل.   والذكي يفهم بالمثال الواحد ما لا يفهم الغبي بألف شاهد.   والله سبحانه وتعالى أعلم قال جامعها: وكان الفراغ من جمعها في يوم الاثنين الثالث والعشرين من ذي الحجة الحرام ختام التاسع والستين بعد المائتين والألف من هجرة من له العز والشرف.   وصلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم

 M